اعتبر لشكر أن مسار الديمقراطية في المغرب لم يكن خطاً مستقيماً، بل سلسلة من المحطات التي شكلت، في كل مرحلة، فرصة للانتقال إلى مستوى جديد من البناء الديمقراطي والمؤسساتي، مؤكداً أن كل محطة انتخابية وسياسية ينبغي أن تُقرأ باعتبارها إمكانية لتحقيق تحول جديد في اتجاه مغرب أكثر ديمقراطية وحداثة وتنمية.
الديمقراطية ليست محطة انتخابية بل مسار متواصل
يرى الحسن لشكر أن تاريخ الديمقراطية في المغرب ارتبط بمحطات متعددة، شكلت كل واحدة منها فرصة للانتقال إلى مرحلة أخرى، مع ما رافق ذلك من صعوبات واختلافات في التقدير السياسي بين مختلف الفاعلين.
ومن هذا المنطلق، يضع الاتحاد الاشتراكي، حسب لشكر، تجربته التاريخية في إطار النضال الديمقراطي من أجل توسيع مجال الحقوق والحريات، والدفع في اتجاه إصلاح المؤسسات وترسيخ دولة حديثة قادرة على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية.
ويؤكد أن الحزب لا ينظر إلى هذه المحطات باعتبارها لحظات منفصلة، بل باعتبارها حلقات ضمن مسار طويل، كان لكل واحدة منها أثرها في بناء النموذج المغربي الحالي، مشدداً في الوقت نفسه على أن ما تحقق لا يعني أن المسار قد اكتمل.
فالتجربة الديمقراطية، في نظره، ما زالت تحتاج إلى مزيد من التطوير، وإلى الانتقال من مستوى الأفكار والتوجهات العامة إلى سياسات وممارسات أكثر واقعية وفاعلية.
استحقاق جديد في سياق دولي ووطني شديد التعقيد
ولا يفصل لشكر الانتخابات المقبلة عن السياق العام الذي يعيشه المغرب والعالم. فالاستحقاق، في تقديره، يأتي في ظرف دولي يعرف تحولات عميقة، وفي وقت تواجه فيه المجتمعات والدول أسئلة اقتصادية واجتماعية وأمنية متزايدة.
كما يأتي، حسب قراءته، في سياق وطني تبرز فيه قضية الأقاليم الجنوبية وما يرتبط بها من رهانات مؤسساتية وسياسية وتنموية، بما يفرض، في نظره، ضرورة إشراك المواطنين والمواطنات في هذه الأقاليم، والخروج من نماذج التدبير النخبوي الكلاسيكي، نحو أشكال أكثر انفتاحاً ومشاركة.
ولا يقف لشكر عند هذه التحولات، بل يربطها كذلك بالتغير الديموغرافي الذي يعرفه المغرب، وبالتحولات التي طرأت على الأسرة المغربية، وبالارتفاع المتزايد في حجم المطالب الاجتماعية.
وهو ما يعني، بالنسبة إليه، أن السياسة لم يعد بإمكانها أن تشتغل بمنطق الماضي نفسه، لأن المجتمع تغير، وانتظارات المواطنين تغيرت، والأسئلة المطروحة على الدولة والأحزاب أصبحت أكثر تعقيداً.
جيل جديد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية
من أبرز ما يستوقف الحسن لشكر في المرحلة الحالية التحولات التي يعيشها الشباب المغربي، والأسئلة المرتبطة بالعمل والدخل والاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
ويطرح في هذا السياق سؤالاً بالغ الدلالة حول أسباب مغادرة عدد من الشباب للبلاد بحثاً عن فرص أخرى، معتبراً أن ظاهرة الهجرة لا ينبغي اختزالها في بعدها الاقتصادي فقط، بل يجب أن تكون موضوعاً للتفكير في علاقة المواطن بوطنه، وفي قدرته على رؤية مستقبله داخله.
فحين يصبح جزء من الشباب مقتنعاً بأن مستقبله يوجد خارج المغرب، فإن السؤال، بالنسبة إليه، لا يتعلق فقط بالهجرة، وإنما أيضا بقدرة النموذج الاقتصادي والاجتماعي على إنتاج الأمل والفرص.
ومن هنا، يرى لشكر أن التحدي الحقيقي أمام الحياة السياسية المغربية يتمثل في القدرة على إنتاج نخبة سياسية جديدة، قادرة على فهم هذه التحولات وعلى تقديم إجابات واقعية عنها.
الأحزاب مطالبة باستعادة المبادئ والقيم
وفي حديثه عن الأحزاب السياسية، شدد الحسن لشكر على أن الديمقراطية نفسها أصبحت تحتاج إلى من يدافع عنها، وأن الأحزاب الديمقراطية مطالبة بأن تجعل من الديمقراطية التزاماً سياسياً وليس مجرد شعار انتخابي.
كما توقف عند مفهوم الوطنية، مؤكداً أنها قيمة مشتركة لا ينبغي أن تكون حكراً على حزب أو تيار سياسي، وأن من الممكن أن تلتقي مختلف القوى السياسية حول الدفاع عن الوطن وتطويره وخدمة مصالح المواطنين.
لكن الدفاع عن القيم، في نظره، لا يمكن أن يتم بمعزل عن البرامج والمبادئ والتصورات السياسية.
وينتقد لشكر ما يعتبره تراجعاً في حضور المبادئ والتأطير الواضح للسياسات العمومية، مقابل تنامي منطق التدبير اليومي والبحث عن حلول ظرفية.
ويحذر من أن تتحول المرونة في اتخاذ القرار إلى غياب للرؤية، لأن السياسة، كما يفهمها، تحتاج إلى مبادئ تؤطرها، وإلى برامج تسمح للمواطن بمعرفة الاتجاه الذي تسير فيه البلاد.
التعليم والصحة.. الأرقام لا تكفي لتغيير الواقع
وفي هذا السياق، انتقد لشكر الطريقة التي يتم بها أحياناً تقديم حصيلة الإنفاق العمومي، خصوصاً في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة.
فمجرد الإعلان عن مليارات الدراهم التي تم تخصيصها لهذا القطاع أو ذاك لا يعني، في نظره، أن النتائج تحققت بالضرورة.
المعيار الحقيقي، حسب هذا التصور، هو الأثر الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية: جودة المدرسة العمومية، تحسين الخدمات الصحية، الحد من الهدر المدرسي، والارتقاء بفعالية المرافق العمومية.
ويؤكد أن المغرب راكم عدداً من المخططات والاستراتيجيات والقوانين الإطار، لكن التحدي يبقى في احترام الالتزامات والاستمرارية في تنفيذها، وعدم تغيير القواعد كلما تغيرت الظروف السياسية أو الحكومية.
اللامركزية والجهوية.. إصلاح لا يحتمل التراجع
ومن القضايا التي أثارها الحسن لشكر أيضاً مسألة اللامركزية والجهوية المتقدمة، معتبراً أن الانتقال الديمقراطي والمؤسساتي لا يمكن أن يكتمل دون إعطاء الجهات والجماعات أدواراً حقيقية في التدبير.
ويرى أن الإصلاح الإداري والجهوية كانا جزءاً من مسار كان يفترض أن يتواصل، لكن التدبير السياسي اليومي قد يؤدي أحياناً إلى إبطاء أو تعطيل بعض الإصلاحات الاستراتيجية.
وبالنسبة إليه، فإن الحديث عن الجهوية والحكامة لا ينبغي أن يبقى في مستوى الشعارات، وإنما يجب أن يتحول إلى ممارسة مؤسساتية واضحة، تتيح للمواطنين المشاركة في تدبير شؤونهم، وتقرّب القرار من المجال الترابي.
المال العام ومسؤولية الإنجاز
ومن أكثر النقاط التي شدد عليها لشكر أن الحكومة الحالية استفادت، خلال ولايتها، من إمكانيات مالية مهمة، سواء من خلال ارتفاع المداخيل الضريبية أو تطور الموارد الجبائية وغيرها من الإمكانيات.
وبالتالي، فإن عدم تحقيق النتائج المنتظرة في ظل توفر هذه الإمكانيات يشكل، في نظره، خسارة للمجهود الذي يبذله المجتمع المغربي.
فالمال العمومي، بالنسبة إليه، ليس مجرد أرقام في قوانين المالية، وإنما هو جهد للمواطنين، ولذلك ينبغي أن تكون له نتائج ملموسة في الخدمات والاستثمار والتنمية.
الانتخابات ليست مجرد تنافس على المقاعد
وعند انتقال النقاش إلى الانتخابات، رفض لشكر اختزال العملية الانتخابية في الأشخاص والمقاعد.
فالترشيح، في تصوره، ينبغي أن يكون جزءاً من التنظيم الحزبي، وأن يعكس هوية الحزب واتجاهه السياسي، لا أن يتحول إلى عملية مرتبطة بشخص المرشح وحده.
ومن هنا يدافع عن ضرورة تجاوز شخصنة المشهد السياسي والحزبي، والانتقال إلى منافسة تقوم أساساً على البرامج والتصورات والقدرة على الإقناع.
ويقر في الوقت نفسه بأن قوة التنظيم الحزبي المحلي تظل عاملاً مهماً في إيصال الخطاب إلى المواطنين، خصوصاً في ظل ضعف وصول البرامج السياسية إلى الناخبين عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل المختلفة.
استمالة الناخبين واستعمال
البرامج العمومية
وفي سياق الحديث عن الانتخابات المقبلة، أثار لشكر أيضاً مسألة استعمال بعض البرامج والقطاعات العمومية والجهوية والجماعاتية بطريقة يمكن أن تؤثر في اختيارات الناخبين.
ويرى أن نزاهة العملية الانتخابية تقتضي الفصل الواضح بين العمل العمومي وبين المنافسة الحزبية، حتى لا تتحول البرامج والمشاريع التي تمول من المال العام إلى أدوات لاستمالة الأصوات.
فالانتخابات، في نظره، ينبغي أن تكون مناسبة للمحاسبة السياسية على أساس الحصيلة والبرنامج، لا على أساس قدرة هذا الحزب أو ذاك على استثمار موقعه المؤسساتي في التأثير على الناخب.
المشاركة السياسية مرتبطة بالثقة
وعلى خلاف القراءات التي تتعامل مع ضعف المشاركة الانتخابية باعتباره مؤشراً على اللامبالاة السياسية، يعتقد لشكر أن المغاربة يتوفرون على وعي سياسي مرتفع، وأن لحظات التحول السياسي في تاريخ المغرب كانت دائماً مرتبطة بدرجات مهمة من الاصطفاف والمشاركة.
ويرى أن المواطن يمكن أن يعود بقوة إلى العملية السياسية متى شعر بأن صوته له معنى، وأن الانتخابات قادرة فعلاً على إنتاج تغيير وعلى ترتيب المسؤوليات.
لكن ذلك، حسب لشكر، يقتضي وضوحاً في العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وبين المسؤولية الحكومية والمسؤولية الحزبية.
من يتحمل مسؤولية القرار؟
وينتقد لشكر ما يعتبره أحد مظاهر ضعف المشهد السياسي، والمتمثل في سهولة تنصل الفاعلين من المسؤولية.
فحين تكون الحكومة مكونة من عدة أحزاب، قد يصبح من السهل، في نظره، أن يحيل كل طرف المسؤولية إلى طرف آخر، وأن ينسب النجاح إلى نفسه ويتنصل من الفشل.
ويؤكد أن المواطن يحتاج إلى معرفة من يتحمل مسؤولية القرار، ومن يقف وراء السياسات التي تؤثر في حياته اليومية.
ومن هنا، يشدد على أن النظام السياسي يحتاج إلى أغلبية قوية ومعارضة قوية، لأن قوة المعارضة لا تقل أهمية عن قوة الأغلبية في ضمان التوازن السياسي والمؤسساتي.
البرامج الانتخابية.. من الوعود إلى الالتزامات
في حديثه عن البرامج الانتخابية، قدم لشكر تصوراً يقوم على ضرورة الانتقال من البرامج التي تكتفي بتقديم الوعود إلى برامج تقوم على التزامات واضحة وقابلة للقياس.
فالبرنامج، حسب هذا التصور، ينبغي أن يحدد الالتزام، والقطاع المسؤول عنه، والجهة التي ستشرف على تنفيذه، ومصادر تمويله.
وبذلك يصبح البرنامج الانتخابي عقداً سياسياً واضحاً مع المواطن، وليس مجرد وثيقة يتم تقديمها خلال الحملة الانتخابية ثم تختفي بعد إعلان النتائج.
ويعتبر لشكر أن تجربة السنوات الأخيرة أفرزت معطيات جديدة تفرض مراجعة الأولويات، وعدم الاكتفاء بإعادة إنتاج البرامج السابقة.
القدرة الشرائية والأسعار.. الاختبار
اليومي للسياسة
ومن القضايا التي ستفرض نفسها بقوة في الحملات الانتخابية المقبلة، حسب لشكر، قضية القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وأسعار المحروقات.
فهذه الملفات أصبحت جزءاً أساسياً من المعيش اليومي للأسر المغربية، وهي مرتبطة مباشرة بقدرة الأسرة على تحمل تكاليف التعليم والصحة والسكن وغيرها.
كما ترتبط بمستقبل المدرسة العمومية والتعليم الخاص، وبقدرة الأسر على توفير الظروف المناسبة لأبنائها.
ولهذا، فإن أي برنامج انتخابي جدي لا يمكنه، في نظره، أن يتجاهل الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن يومياً.
اقتصاد منتج وسياسات تنموية تراعي خصوصية المجالات
ولا يختزل لشكر الحل في الدعم أو الإجراءات الظرفية، بل يدعو إلى بناء اقتصاد منتج قادر على خلق الثروة وفرص الشغل.
كما يشدد على ضرورة عدم التعامل مع مختلف مناطق المغرب بمنطق السياسة التنموية نفسها، لأن لكل مجال خصوصياته وإكراهاته.
فالمناطق الجبلية، والمجالات التي تعاني من صعوبات اقتصادية واجتماعية، تحتاج إلى سياسات عمومية موجهة، تقوم على تشخيص واقعي وعلى فهم دقيق لحاجيات السكان.
التحالفات تُبنى بعد الانتخابات
وفي ما يتعلق بالتحالفات الحزبية، أوضح لشكر أن الأصل في النظام البرلماني هو أن تُبنى التحالفات بعد ظهور نتائج الانتخابات، وأن تتشكل الأغلبية على أساس النتائج والبرامج والتوافقات داخل البرلمان.
وبالتالي، فإن الحديث عن تحالفات انتخابية مسبقة لا يمثل، حسب هذا التصور، القاعدة العامة في التجارب الديمقراطية، بل إن الأصل هو أن يفرز الناخبون موازين القوى، وبعدها تبدأ مشاورات تشكيل الأغلبية.
ويؤكد أن الاتحاد الاشتراكي سيخوض الاستحقاقات المقبلة بطموح أن يكون في مقدمة الأحزاب، لكنه في الوقت نفسه يجعل من الحفاظ على التوازن السياسي هدفاً أساسياً، سواء كان الحزب في موقع الأغلبية أو المعارضة.
الاتحاد الاشتراكي وطموح الصدارة
وفي حديثه عن حظوظ الحزب، أكد لشكر أن الاتحاد الاشتراكي يعمل على الحضور في مختلف الدوائر، وعلى تقديم مرشحين قادرين على المنافسة.
ولا يختزل الطموح، حسب ما جاء في الحوار، في مجرد رفع عدد المقاعد، بل في ضمان موقع يمكن الحزب من ترجمة جهوده السياسية إلى تأثير فعلي في الحياة السياسية المغربية.
فالنتيجة الانتخابية، في النهاية، لا تُقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما أيضاً بمدى قدرة الحزب على التأثير في السياسات العمومية، والدفاع عن اختياراته، وتمثيل المواطنين الذين منحوه ثقتهم.
مشاركة المواطنين هي مفتاح حماية الديمقراطية
في نهاية الحوار، عاد النقاش إلى مسألة المشاركة باعتبارها جوهر العملية الديمقراطية.
فالانتخابات لا يمكن أن تكون ذات معنى من دون مشاركة فعلية للمواطنات والمواطنين، كما أن حماية الديمقراطية وترسيخها لا يمكن أن تكون مسؤولية الأحزاب وحدها.
إنها، في جوهرها، مسؤولية جماعية، تبدأ من ثقة المواطن في صوته، ومن وضوح البرامج، ومن معرفة المسؤوليات، ومن وجود أغلبية قادرة على الحكم ومعارضة قادرة على المراقبة والمساءلة. ومن خلال مجموع القضايا التي أثارها الحسن لشكر، يبدو أن الرهان الذي يضعه أمام الاستحقاقات المقبلة يتجاوز مجرد التنافس الانتخابي: إنه رهان على استعادة السياسة لمضمونها، وعلى إعادة الاعتبار للحزب كأداة للتأطير والاقتراح، وللبرنامج كالتزام قابل للمحاسبة، وللمواطن باعتباره صاحب القرار الأول في العملية الديمقراطية.
وبذلك، تصبح الانتخابات المقبلة، في هذه القراءة، ليست فقط موعداً لتوزيع المقاعد، وإنما محطة جديدة لاختبار قدرة الحياة السياسية المغربية على تجديد نفسها، وإعادة بناء الثقة، وتقديم أجوبة حقيقية عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع المغربي اليوم.
بقلم عبد الحق الريحاني

